شريط الاخبار

حبوب ‘مدام كوراج’ وجنرالات ‘الويسكي’ المستورد!”.. ضابط جزائري يفضح أسرار تخدير القيادة للجيش لارتكاب المجازر

امغار الاندلسي

تغوص مذكرات الضابط الجزائري المنشق حبيب سويدية، “الحرب القذرة”، في قاع مستنقع الانهيار الأخلاقي والانضباطي الذي ضرب المؤسسة العسكرية الجزائرية خلال العشرية السوداء، كاشفةً عن حقيقة صادمة تنسف الصورة النمطية للجيش النظامي.

فالحرب القذرة لم تكن تُدار بعقول واعية، بل تحت تأثير التخدير الممنهج؛ حيث يؤكد سويدية دون مواربة أن 80% من الجنود، وطلاب الضباط، وحتى بعض الضباط النظاميين وعناصر الدرك والشرطة، كانوا يتعاطون المخدرات يومياً، بل وينفذون أبشع العمليات العسكرية وحملات التمشيط وهم في حالة غياب تام عن الوعي.

لقد تحولت الثكنات، تحت سمع وبصر القيادة العليا، إلى أسواق مفتوحة لترويج الحشيش والإكستازي والهيرويين، في تجارة قذرة أدارها ضباط صغار لزيادة مداخيلهم، بتواطؤ مكشوف من كبار الجنرالات الذين غضوا الطرف عن هذا الانهيار لانشغالهم بصفقات وعمولات أكثر دسامة ومردودية على حساب دماء الجزائريين.

هذا التخدير الممنهج للجيش لم يكن مجرد انحراف فردي، بل أداة شيطانية لصناعة آلات قتل لا ترحم. يكشف سويدية عن العقار الأكثر رواجاً ورعباً بين أفراد القوات الخاصة، والذي أُطلق عليه اسم “مدام كوراج” (السيدة شجاعة)، وهو مخدر “أرتان” الذي كانت قيمته تعادل قيمة بندقية كلاشنيكوف.

كان الجنود يبتلعون هذه الحبوب المهلوسة ويخلطونها بالكحول ليحصلوا على شجاعة زائفة تمكنهم من مواجهة الموت، والأخطر من ذلك؛ تمكنهم من “تصدير الموت” واقتراف أبشع الجرائم ضد المدنيين والعُزّل بدم بارد. يصف الكاتب مشهداً مرعباً لطلاب ضباط تحت تأثير “مدام كوراج”، حيث تلمع عيونهم المحتقنة بالدماء، وتثقل ألسنتهم، وينفصلون عن الواقع تماماً، ليصبحوا قادرين على قتل أي إنسان دون أن يدركوا ما يفعلونه، وفي صبيحة اليوم التالي تُمحى من ذاكرتهم كل الجرائم التي ارتكبوها في الليل. لقد حوّل هؤلاء الجنود المخدَّرون عرباتهم العسكرية المصفحة، التي زُينت إضاءتها باللون الأحمر، إلى حانات متنقلة لاحتساء البيرة والنبيذ وتعاطي السموم قبل الانطلاق في مهامهم القذرة.

وقد دفع الجنود البسطاء ثمناً باهظاً لهذا الانفلات الذي رعته القيادة، حيث يوثق الكتاب كارثة عسكرية حقيقية وقعت عام 1994 في ضواحي “شفة” قرب المدية. ففي ذلك الكمين الذي نصبته الجماعات المسلحة للكتيبة 91 من الشرطة العسكرية، حُصدت أرواح أربعين عسكرياً، بينهم نقيب وضابطان.

والسبب المروع الذي كشفه أحد الملازمين الناجين، هو أن نصف أفراد الوحدة العسكرية كانوا، يوم المعركة، تحت تأثير المخدرات وفي حالة غياب تام عن الوعي. ورغم علم قائد الوحدة بهذه الكارثة الانضباطية، إلا أنه صمت وساق رجاله إلى حتفهم. وحتى عندما حاول طالب ضابط شريف من مديرية أمن الجيش التصدي للمروجين داخل الثكنة، وضبطهم متلبسين في زاوية مظلمة لبيع السموم، تعرض لضرب مبرح وركل من قبل المروجين، لتكتمل الفضيحة بتدخل قائد فوج الاستطلاع 25، حسين صلاح الدين، الذي استدعى الضابط الشاب وأمره بصرامة بالتوقف عن ملاحقة تجار المخدرات وإغلاق الملف نهائياً.

هذا الانحطاط المريع في صفوف الجنود لم يكن سوى انعكاس لفساد وعربدة القيادات العليا. ففي الوقت الذي كان يُزج فيه بالشباب المغيبين عقلياً في مفارم الموت، كان كبار الضباط، وعلى رأسهم الجنرال شيبان والعقيد شنقريحة (قائد أركان الجيش الحالي)، والنقيبان بن أحمد وصلاح الدين، يعاقرون الخمر ويسكرون بانتظام كل ليلة في مكاتبهم، محتسين أغلى ماركات الويسكي المستورد.

لقد انهارت كل قواعد العسكرية التزاماً وانضباطاً، لدرجة أن الجنود في القوات الخاصة كسروا القوانين الصارمة وبدأوا في رسم أوشام العصابات على أجسادهم (خناجر، نسور، ثعابين)، دون أن يجرؤ أي ضابط كبير على محاسبتهم. لقد تحول جيش التحرير الوطني، على يد هؤلاء الجنرالات، إلى مجرد ميليشيات مسلحة وموشومة، يقودها ضباط سكارى، وتنفذ أوامرها قوات غارقة في هلوسات “مدام كوراج”، لتغرق الجزائر في دماء أبنائها بلا وعي ولا رحمة.

شارك المقال شارك غرد إرسال