أمغار الأندلسي . رصد المغربية
في التاسع والعشرين من يونيو/حزيران عام 1992، وعند تمام الساعة الخامسة مساءً، توقفت عقارب الساعة في الجزائر على وقع نبأ نزل كالصاعقة: اغتيال رئيس الدولة محمد بوضياف. الرواية الرسمية التي سارع التلفزيون الحكومي لبثها، ادعت أن القاتل، الملازم في “مجموعة التدخل الخاصة” (GIS) المبارك بومعرافي، هو مجرد “إسلامي تصرف بوحي من نفسه”. لكن، وخلف أبواب الثكنات العسكرية، وتحديداً في أكاديمية شرشال حيث كان الضابط الشاب حبيب سويدية يتلقى تدريبه، نزل الخبر كطعنة خنجر، ولم يصدق أحد أن عسكرياً يمكن أن يغتال الرئيس بمفرده، ليسود يقين بأن “الجيش كله تلوث”.
في كتابه المرجعي “الحرب القذرة“، يفكك الضابط المنشق حبيب سويدية هذه الرواية الرسمية المهلهلة، مقدماً معطيات ميدانية وشهادات من داخل المؤسسة العسكرية، تؤكد أن بوضياف لم يكن ضحية عمل فردي، بل ذهب ضحية تصفية حسابات دبرها “أصحاب القرار” من الجنرالات، بعد أن تجرأ الرئيس القادم من المنفى على المساس بـ “محرمات المافيا السياسية – العسكرية”.
بومعرافي.. “إسلامي” ببدلة النخبة؟
تستند الرواية الرسمية على إلصاق تهمة “التطرف الإسلامي” بالملازم بومعرافي (الملقب بـ “عبد الحق”). إلا أن شهادة سويدية تنسف هذا الإدعاء من جذوره. فقد كان بومعرافي، خريج “مدرسة أشبال الثورة” المرموقة في القليعة، يعتبر عنصراً نخبوياً شديد الكفاءة في نظر رؤسائه منذ انضمامه لمجموعة التدخل الخاصة عام 1989. الأهم من ذلك، أنه شارك في بداية عام 1992 في عملية حساسة بحي “تيلملي” بالعاصمة ضد جماعة مسلحة تحصنت هناك.
يتساءل سويدية باستنكار: كيف يعقل أن يكون إسلامياً متطرفاً ولم يلاحظ رؤساؤه ذلك، خاصة في وقت كانت فيه المخابرات تشن حملة تطهير ومطاردة واسعة للعسكريين المشتبه بتعاطفهم مع التيار الإسلامي؟. الجواب البديهي الذي تبادر إلى ذهن العسكريين حينها، هو أن “بوضياف اغتيل بأمر من جنرالات معينين”.
ثغرات أمنية أم تواطؤ مفضوح؟
يقدم الكتاب تشريحاً دقيقاً للفوضى “المثيرة للاستغراب” التي أحاطت بالموكب الرئاسي في مدينة عنابة ذلك اليوم. من الناحية العملياتية، كان يفترض أن يتولى “أمن الرئاسة” (التابع لمديرية الاستخبارات الأمنية DRS) حماية ظهر الرئيس مباشرة، بينما تقتصر مهمة عناصر مجموعة التدخل الخاصة (GIS) على التمركز خارج القاعة لتشكيل طوق الحماية الثاني.
فكيف وصل بومعرافي إلى خلف ستارة المنصة، على بعد خطوات قليلة من بوضياف، ليفجر قنبلة ويفرغ عشر رصاصات في جسد الرئيس؟.
يكشف سويدية تفصيلاً بالغ الخطورة: لم يكن مقرراً أصلاً أن يرافق بومعرافي الرئيس في تلك الرحلة، بل “أُضيف اسمه إلى المهمة في آخر لحظة”، وبأمر مباشر من “الجنرال إسماعيل العماري” (الرجل الثاني في المخابرات). ورغم هذا الخرق الفادح، والأمر المباشر بالتواجد في مسرح الجريمة، لم يجد رؤساء بومعرافي أي مأخذ عليه، لترويج فكرة أنه “لم يتصرف إلا من رأسه”.
دوافع الاغتيال: الفساد وملف الصحراء
لم يأتِ اغتيال بوضياف من فراغ، بل كان نتيجة حتمية لصدامه مع مصالح “الدولة العميقة”. يؤكد سويدية أن الرئيس كان يزعج الجنرالات بفتحه لملفات الفساد وتهريب أموال الدولة، وكان على وشك تقديم “رؤوس” للمحاكمة استجابة لمطالب الشعب. كما كان على اتصال وثيق بقاصدي مرباح (الذي اغتيل هو الآخر لاحقاً) لخبرته العميقة بخبايا النظام.
إلى جانب ملفات الفساد، يشير الكتاب إلى مواقف بوضياف “حول المسألة الشائكة، مسألة العلاقات الجزائرية المغربية، وحول قضية الصحراء الغربية” كأحد الأسباب التي عجلت بتصفيته. كان بوضياف يسير في حقل ألغام، بين رفضه التسوية مع الإسلاميين من جهة، ومواجهته لمافيا الجنرالات من جهة أخرى.
الجنرالات يقطفون ثمار الدم
في مشهد بالغ السخرية، حمل عناصر دفعة حبيب سويدية (التي أُطلق عليها اسم “دفعة محمد بوضياف”) نعش الرئيس الذي كان يفترض أن يحضر حفل تخرجهم في أكاديمية شرشال.
وما هي إلا أيام قليلة على الاغتيال، حتى سارع صناع القرار لترتيب البيت الداخلي؛ فعُين علي كافي رئيساً للدولة، وفي الخامس من يوليو/تموز 1992، تمت ترقية مجموعة من كبار الضباط (محمد العماري، طيب دراجي، خليفة رحيم، العربي بلخير، وعبد الحميد جوادي) إلى رتبة لواء، ليعزز “الجانفييريون” (صناع انقلاب يناير 1992) قبضتهم المطلقة على السلطة، وعلى رأسهم خالد نزار.
اختفى بوضياف فجأة بعد ستة أشهر فقط من عودته، وكما يخلص حبيب سويدية، فإن اغتياله “لم يزعزع تركيبة لم يكن قط جزءاً منها”، بل كرس هيمنة جنرالات اختاروا تصفية رئيس الجمهورية لإبقاء الجزائر رهينة بين أيديهم.
