شهدت منطقة طانطان جنوب المغرب، خلال الأسبوع الأول من غشت الجاري، أول تجربة إطلاق حي لصاروخ كروز داخل مركز أفريقيا للتدريب والتجارب متعدد المجالات (AMTEC)، في اختبار عسكري جمع القوات المسلحة الملكية والقوات الأمريكية إلى جانب مهندسين وتقنيين تابعين لشركة دفاعية لم يُكشف عن هويتها.
وأفادت القيادة الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» بأن التجربة جرت بين 3 و7 غشت، وشملت إطلاق صاروخ كروز وصفته بأنه منخفض التكلفة وطويل المدى، في خطوة تعكس توجهاً أمريكياً نحو تسريع اختبار تقنيات التسليح الجديدة في بيئات عملياتية حقيقية.
ولا يتعلق الأمر بمناورة عسكرية عابرة، إذ يُنظر إلى مركز AMTEC، الذي يوجد قرب طانطان، باعتباره ميداناً دائماً للاختبار والتقييم، يجمع بين القوات الأمريكية والمغربية وشركات الصناعات الدفاعية لتجريب أنظمة عسكرية جديدة قبل الانتقال بها إلى مراحل أكثر تقدماً ضمن برامج التسليح.
وخلال الاختبار الأخير، عملت الفرق العسكرية والتقنية على تجهيز موقع ميداني من الصفر، قبل تنفيذ عملية إطلاق حي واحدة. كما شملت التجربة اختبار منظومات الاتصال، وتقييم أداء أجنحة الصاروخ ومعداته وعربة الإطلاق، إلى جانب جمع معطيات مرتبطة بالطقس والاستهداف والظروف المحيطة بموقع التجربة.
ولم تكشف «أفريكوم» عن اسم الشركة التي طورت الصاروخ، كما لم تحدد مداه أو سرعته أو سعره، مكتفية بالإشارة إلى أنه صُمم لتوفير قدرة على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى بكلفة منخفضة وبإمكان إنتاجه على نطاق واسع.
وتأتي هذه التجربة في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة إلى البحث عن أسلحة أقل كلفة وأكثر قابلية للإنتاج بأعداد كبيرة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار بعض الصواريخ بعيدة المدى التقليدية إلى مستويات مرتفعة. ويتيح اختبار نماذج أولية في ميادين واقعية للشركات جمع بيانات عملية في وقت أقصر مقارنة بالمسارات التقليدية المعتمدة في برامج الاستحواذ الدفاعي الأمريكية.
ويحظى AMTEC بأهمية خاصة في هذه الاستراتيجية، بعدما اختاره الجيش الأمريكي ضمن مجموعة محدودة من مواقع الاختبار التي يمكن أن تستفيد منها شركات الصناعات الدفاعية، بما فيها الشركات الصغيرة والناشئة، لتجريب أنظمتها في ظروف عسكرية فعلية وتقليص المدة الفاصلة بين تطوير النموذج الأولي وإخضاعه للاختبار.
وبالنسبة إلى الجانب المغربي، يرى العقيد زهير الحمداني، المسؤول عن تنسيق المشروع في القوات المسلحة الملكية، أن أول عملية إطلاق حي تشكل خطوة مهمة نحو تحويل المركز إلى منصة إقليمية للابتكار والتعاون الاستراتيجي والتطوير الصناعي، إلى جانب دوره في اختبار وتقييم التقنيات العسكرية المتقدمة.
ويضيف المشروع بعداً جديداً إلى التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن، الذي يشمل منذ سنوات التدريبات المشتركة وتبادل الخبرات والتعاون الأمني، ومن أبرز محطاته المناورات العسكرية متعددة الجنسيات «الأسد الأفريقي».
غير أن طبيعة AMTEC تمنح التعاون العسكري بين البلدين بعداً مختلفاً، إذ يتعلق الأمر بمنشأة اختبار يمكن استخدامها في تطوير وتقييم تقنيات عسكرية جديدة، وليس فقط بتنفيذ تدريبات ميدانية دورية.
وتوفر البيئة الصحراوية المغربية للقوات الأمريكية ظروفاً يصعب محاكاتها بالكامل في بعض ميادين الاختبار داخل الولايات المتحدة، خصوصاً ما يرتبط بالحرارة والرمال والظروف المناخية القاسية. وهي معطيات يمكن أن تساعد على تقييم أداء الأنظمة العسكرية في بيئات تشبه تلك التي قد تعمل فيها القوات الأمريكية وشركاؤها في أجزاء من إفريقيا والشرق الأوسط.
وقال الجنرال الجوي داغفين ر. إم. أندرسون، قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا، إن التعاون مع المغرب يوفر موقعاً مهماً لتسريع جاهزية القوات الأمريكية والشركاء الأفارقة، معتبراً أن المركز يعزز التعاون الأمني ويدعم الابتكار في مواجهة التحديات المشتركة.
بدوره، اعتبر العقيد مايكل إم. غاشيرو، رئيس قسم المشاركة الإقليمية في مديرية الاستراتيجية والمشاركة والبرامج التابعة لـ«أفريكوم»، أن تجربة طانطان تعكس توجهاً جديداً في التدريب متعدد الجنسيات، يقوم على دمج التقنيات الناشئة مع قوات الدول الشريكة واختبارها في ظروف عملياتية حقيقية.
ومن المنتظر أن تتوسع الاختبارات التي يحتضنها AMTEC مستقبلاً لتشمل، إلى جانب صواريخ الكروز والضربات بعيدة المدى، أنظمة ذاتية التشغيل، وتقنيات الاتصالات اللاسلكية، وأجهزة الاستشعار المتقدمة وغيرها من القدرات العسكرية الحديثة.
وبذلك، يتجه المركز الموجود قرب طانطان إلى لعب دور يتجاوز مفهوم ميدان التدريب التقليدي، ليصبح منصة لاختبار التكنولوجيا العسكرية وتطويرها بالتعاون بين المغرب والولايات المتحدة وشركاء آخرين.
ومع ذلك، لا تزال معطيات أساسية حول التجربة طي الكتمان، خصوصاً هوية الشركة المصنعة للصاروخ، وتكلفة الوحدة الواحدة، وما إذا كان السلاح الذي خضع للاختبار سينتقل لاحقاً إلى مرحلة التعاقد أو الاعتماد ضمن برامج التسليح الأمريكية.
ورغم أن التجربة اقتصرت على إطلاق صاروخ واحد، فإنها تؤشر على دخول مركز AMTEC مرحلة جديدة من العمل الميداني، بعدما انتقل من مشروع لتوفير بيئة اختبار إلى استضافة أول عملية إطلاق حي لنظام تسليح متقدم على الأراضي المغربية.

