الرباط – رصد المغربية
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار صوب العاصمة الأمريكية واشنطن ترقباً لاجتماع “مجلس السلام” المقرر عقده في 19 فبراير الجاري، يبرز اسم المملكة المغربية كلاعب محوري وموثوق في هندسة الأمن الإقليمي، مع تواتر التقارير الدولية حول استعداد الرباط لإرسال تعزيزات عسكرية ضمن “قوة الاستقرار الدولية” المتوجهة إلى قطاع غزة.
هذه الخطوة، التي كشفت معالمها تقارير استخباراتية ودبلوماسية مؤخراً، لا تأتي من فراغ، بل هي امتداد لعقود من “الدبلوماسية العسكرية” المغربية التي جعلت من الجندي المغربي رقماً صعباً في معادلات السلم العالمي، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية.
تراكم الخبرة: من الجولان إلى إفريقيا الوسطى
يمتلك المغرب سجلًا حافلاً في مهام حفظ السلام الدولية، حيث يُصنف ضمن القوى العشر الأولى عالمياً من حيث المساهمة في قوات “القبعات الزرق”. وتتوزع التجريدات المغربية حالياً في بؤر توتر ساخنة، لاسيما في جمهورية إفريقيا الوسطى (مينوسكا) والكونغو الديمقراطية (مونوسكو)، حيث تضطلع بمهام حماية المدنيين، وتأمين المساعدات الإنسانية، والإشراف على عمليات الانتقال السياسي.
هذه التجربة الميدانية الطويلة، التي زاوجت بين الكفاءة القتالية والقدرة على الانصهار السوسيو-ثقافي مع الساكنة المحلية، هي التي جعلت من المغرب الخيار الأول للمشاركة في قوة الاستقرار بقطاع غزة. فالمملكة لا تقدم “قوة عسكرية” فحسب، بل تقدم “نموذجاً أمنياً” يحترم الخصوصيات المحلية ويدعم المؤسسات الوطنية.
غزة.. التحدي الجديد والرهان الإنساني
يرى مراقبون أن الانخراط المغربي المرتقب في غزة يحمل دلالات جيوسياسية عميقة:
أولاً: يكرس الدور المغربي كجسر تواصل بين القوى الدولية (واشنطن والاتحاد الأوروبي) وبين القضايا العربية الجوهرية.
ثانياً: يعكس الثقة الدولية في حياد واحترافية القوات المسلحة الملكية، وقدرتها على إدارة مناطق النزاع المعقدة دون الانزلاق إلى الصراعات الجانبية.
ثالثاً: ينسجم مع الرؤية الملكية التي تضع الدعم الميداني (المستشفى الميداني، المساعدات الغذائية) جنباً إلى جنب مع الدعم السياسي للقضية الفلسطينية.
المهام المرتقبة: أمن وإعادة إعمار
من المتوقع أن تركز القوات المغربية، في حال انتشارها، على تأمين الممرات الإنسانية، ومراقبة خطوط وقف إطلاق النار، وتوفير البيئة الآمنة للفرق التقنية المكلفة بإعادة الإعمار. وهي مهام تتطلب دقة عالية وتواصلاً مستمراً مع كافة الأطراف، وهو ما يتقنه الجانب المغربي بفضل عقيدته العسكرية القائمة على “الاستقرار من أجل التنمية”.
إن استعداد المغرب لهذه المهمة، في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، يعيد التأكيد على أن الرباط لم تعد تكتفي بالأدوار التقليدية، بل باتت قوة إقليمية صانعة للسلام، تستثمر رصيدها التاريخي في حفظ الأمن الدولي لخدمة القضايا العادلة وتكريس الاستقرار في أكثر مناطق العالم تعقيداً.
