شريط الاخبار

“تركوا الوضع يتعفن”.. ضابط منشق يكشف كيف هندس جنرالات الجزائر الطريق نحو “العشرية السوداء” بدم بارد!

أمغار الاندلسي – رصد المغربية

تغوص هذه الحلقة الرابعة من سلسلة “الحرب القذرة”، المستندة إلى شهادة الملازم المنشق حبيب سويدية، في عمق الجحيم الجزائري مطلع التسعينيات، كاشفة عن مشهد سريالي لمجتمع مصاب بالغرغرينا ومؤسسة عسكرية تتآكل من الداخل.

يروي سويدية كيف أحدث الفوز الكاسح للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات المحلية زلزالاً مجتمعياً، حيث سادت حالة من الذهول والشلل قطاعات واسعة، قابلها ارتياح مؤقت لدى آخرين لرؤية هيمنة الحزب الواحد تتهاوى، قبل أن يتحول هذا الارتياح سريعاً إلى خوف ورعب من المجهول. ويكشف سويدية عن مفارقة صارخة في تلك اللحظة التاريخية؛ إذ لم يكن كل تصويت للجبهة الإسلامية اقتناعاً بدولة الثيوقراطية، بل كان غالباً تصويت انتقام ضد النظام، بدليل أن بعض الناخبين كانوا يحتسون الكحول في الحانات قبل التوجه مباشرة للتصويت لصالح الإسلاميين.

وفي الوقت الذي التزمت فيه السلطة الحقيقية صمتاً مريبًا، راح الإسلاميون يفرضون منطقهم بقوة على الشارع، مضيقين على الحريات الفردية، وخاصة حريات النساء، وفرضوا أعرافاً جديدة تحرم التدخين والكحول، ليبدو صعودهم وكأنه قدر لا مرد له.
وفي خضم هذا الاحتقان الداخلي، جاء غزو العراق للكويت عام 1990 ليلقي بظلاله الكثيفة على المشهد، حيث استغل الإسلاميون الراديكاليون الفرصة لاستعراض القوة، مطالبين بالجهاد إلى جانب “إخوتهم العراقيين”، بل ووصلت الجرأة بالرجل الثاني في الجبهة، علي بن حاج، لمطالبة المؤسسة العسكرية بفتح معسكرات تدريب للمتطوعين، وهو ما قوبل برفض القيادة العليا.

وزاد الطين بلة ذلك اللقاء المثير للجدل الذي جمع وزير الدفاع خالد نزار، مرتدياً زياً مدنياً، بعلي بن حاج، وهي خطوة قُرئت على نطاق واسع، وحتى داخل الأكاديمية العسكرية التي كان يتدرب فيها سويدية، على أنها استسلام أمام المد الإسلامي الجارف. حتى المحاضرات العسكرية الاستراتيجية، كتلك التي ألقاها الجنرال المصري سعد الدين الشاذلي في الأكاديمية حول تفضيل الضربات الجوية على المواجهة البرية في حرب الخليج، لم تستطع حجب حقيقة أن الجو العام في الجزائر بعد الحرب أصبح أشد ثقلاً واختناقاً.
يصف سويدية العاصمة الجزائرية في مارس 1991 وكأنها مدينة محتلة؛ إسلاميون بلباس “أفغاني” غريب، جدران مغطاة بشعارات الجبهة، وغياب تام ومريب لأجهزة الدولة من شرطة ودرك.

تصاعد التوتر إلى ذروته في نهاية مايو 1991 عندما أعلن قادة الجبهة إضراباً تمردياً واحتل مقاتلوهم مفارق الطرق الرئيسية في العاصمة مطالبين بالدولة الإسلامية، في تحدٍ سافر لسلطة بدت مشلولة ظاهرياً. وهنا يوجه سويدية اتهاماً خطيراً للمسؤولين العسكريين بأنهم تعمدوا ترك الوضع يتعفن لدفع الأمور نحو الهاوية وتبرير قمع أشد دموية لاحقاً. انتظرت قوات الأمن حتى ليلة الثالث من يونيو لتلقي الأوامر بتطهير الشوارع، ما أدى إلى مواجهات عنيفة سقط فيها العديد من مقاتلي الجبهة بين قتيل وجريح برصاص العسكريين والشرطة.

هذا الوضع المتفجر لم يستثنِ الجيش نفسه، الذي كان يضم في ثكناته مساجد ويؤدي جنوده الصلاة بانتظام؛ فقد سادت حالة من الانقسام والخوف الحقيقي في أوساط الضباط وطلاب الأكاديمية في شرشال، الذين رأوا في احتلال الإسلاميين للعاصمة نذير شؤم مرعب لما هو قادم.

شارك المقال شارك غرد إرسال