رصد المغربية_ أمغار الأندلسي
تواصل مذكرات الضابط الجزائري المنشق حبيب سويدية، “الحرب القذرة”، فضح المستور وإسقاط ورقة التوت الأخيرة عن وحشية “العشرية السوداء”، كاشفةً بالدليل القاطع كيف تحولت وحدات من الجيش الجزائري والمخابرات إلى عصابات دموية وفرق موت تحصد أرواح المدنيين العزل، وتصفي حساباتها مع ضباطها بدم بارد.
فمع مطلع عام 1993، وقرار الجنرالات تمديد حالة الطوارئ، دخلت الجزائر نفقاً أكثر رعباً وتخبطاً؛ حيث باتت اختراقات المؤسسة العسكرية مفضوحة، بدءاً من نجاة وزير الدفاع خالد نزار من تفجير استهدف موكبه بدقة غريبة، وصولاً إلى محاولة تفجير مطعم كبار ضباط القوات البرية في “عين النعجة” بحقيبة متفجرات.
هذا الاختراق والفشل الاستخباراتي تجلى بأبشع صوره حين طوقت قوات الأمن حياً بأكمله في “باب الواد” للقبض على “الأمير” عبد الحق العيادة، وبطريقة عجائبية تبخر المطلوب الخطير من بين أيديهم، ليقوم الجيش، بدافع الغيظ والفشل، باعتقال عشرات الشبان العاطلين عن العمل في الحي والزج بهم في السجون كأكباش فداء.
لكن الفشل الاستخباراتي لم يكن سوى الوجه المخفف للمأساة، فالوجه الحقيقي والأكثر رعباً يكمن في تحول المؤسسة العسكرية إلى عصابات قتل ليلية. يضعنا سويدية أمام مشهد مروع يجسد أبشع صور غدر الدولة بمواطنيها، حين سُحب في ليلة من ليالي مارس 1993 لتأمين طريق لشاحنة عسكرية محملة بعناصر من المخابرات ومظليي الصاعقة. لم يكن هؤلاء العسكريون يرتدون زيهم الرسمي، بل تنكروا في هيئة “إرهابيين”، وتسلحوا بالخناجر والقنابل للقيام بمهمة ليلية في قرية “دوار الزعترية” التي تتهمها القيادة بالتعاطف مع الإسلاميين.
بعد ساعات قليلة، عادت الشاحنة ليمرر أحد ضباط الصف خنجره المقطر بالدماء أمام سويدية مبتسماً، في إشارة إلى إنجاز المذبحة. وفي صبيحة اليوم التالي، تبجحت الصحف الرسمية بخبر كاذب عن هجوم “إرهابي” خلف دزينة من القتلى في القرية، ليكتشف الضابط الشاب أنه كان مجرد أداة لتأمين طريق لفرقة إعدام عسكرية أُرسلت لذبح مدنيين عزل في بيوتهم، وتلفيق التهمة للمسلحين لترويع الحاضنة الشعبية وتأليبها.
ولم تتوقف آلة القتل العبثية عند حدود إبادة القرويين، بل امتدت لتنهش جسد المؤسسة العسكرية ذاتها عبر خيانات موصوفة وتصفيات داخلية تقشعر لها الأبدان. يوثق الكتاب لحظات عصيبة عاشتها وحدات الجيش عندما وقع فصيل من “مجموعة التدخل الخاصة” في كمين مميت بين بوفاريك والصمعة، وبدأ الضباط المحاصرون يطلقون نداءات استغاثة يائسة عبر اللاسلكي تحت وابل من الرصاص.
وفي الوقت الذي استعد فيه سويدية وزملاؤه للتدخل لإنقاذ رفاقهم، جاء الأمر الصادم مباشرة من أعلى هرم القيادة، وتحديداً من الجنرال محمد العماري، آمراً جميع القوات بالبقاء في أماكنها وعدم التدخل. تُرك العسكريون ليُذبحوا عمداً، ليسقط ثمانية منهم قتلى.
وما يزيد المشهد قتامة هو أن أحد الناجين بأعجوبة من هذه المجزرة المدبرة، كان النقيب ياسين، وهو نفس الضابط الذي كان حاضراً في عنابة يوم اغتيال الرئيس محمد بوضياف، مما يطرح تساؤلات مرعبة حول تعمد القيادة تصفية شهود الإثبات في قضايا الاغتيالات السياسية عبر الإيقاع بهم في كمائن مميتة.
لقد تبلورت في تلك المرحلة عقيدة عسكرية جديدة ومخيفة تبناها كبار الجنرالات، تقوم على التعطش للدماء والتدمير الشامل دون أي اعتبار للأرواح. ففي اجتماعات التقييم، كانت أوامر الجنرال فضيل شريف صريحة وصادمة: “صفّوهم، صفّوهم هم ومن يساندهم.. يجب عدم محاولة أسر الإرهابيين أحياء”. هذه الأوامر تُرجمت ميدانياً إلى جرائم حرب مكتملة الأركان، بلغت حد استخدام قاذفات صواريخ ثقيلة (SPG 9) لتدمير منازل سكنية بالكامل، كما حدث في إحدى العمليات التي قُتل فيها الإرهابيون وقُتلت معهم امرأة كانت محتجزة كرهينة، حيث فضلت القيادة إبادة الجميع على محاولة تحرير الأبرياء. بل إن الاسترخاص بأرواح الجزائريين وصل إلى حد إطلاق النار العشوائي على المدنيين في الحواجز الأمنية؛ حيث يروي سويدية كيف أطلق جنوده النار على سيارة مدنية لم تمتثل فوراً للتحذير قرب “سيدي فرج”، ليتبين أن بداخلها مدنيين أعزلين (أحدهما فارق الحياة والآخر يحتضر)، والمفاجأة أن نقيباً في المخابرات حضر للمكان واعترف بأنهما صديقاه ونسيا أوراقهما لديه.
وبدلاً من فتح تحقيق في هذه الكارثة، جاء الرد عبر اللاسلكي من الجنرال العماري بأمر وحشي يعكس عقلية العصابات: “كتّف رَبّو وجيبهولي.. واقتله إذا قاوم!”. لقد أدرك سويدية، وسط برك الدماء التي أغرقت الجزائر، أن أوامر القيادة بتصفية “كل الإسلاميين” لم تكن سوى تصريح مفتوح بإبادة الملايين، في أبشع تجلٍ لدولة الرعب التي هندسها جنرالات اختاروا حرق الجزائر بمن فيها، كي لا يفقدوا سيطرتهم المطلقة على مقدراتها.
