امغار الاندلسي _ رصد المغربية
في منطقة تتسم بالهشاشة الأمنية الممتدة من الساحل الإفريقي إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، تبرز المقاربة الأمنية كأداة رئيسية لتحديد الأوزان الجيوسياسية للدول. وفي شمال إفريقيا، يقدم الجاران، المغرب والجزائر، نموذجين متناقضين تماماً في إدارة العمل الاستخباراتي.
وبينما لا تزال الجزائر أسيرة لعقيدة عسكرية كلاسيكية تشكلت إبان “العشرية السوداء”، نجحت الأجهزة الأمنية المغربية في إحداث قطيعة استراتيجية، متجاوزةً المفهوم التقليدي للأمن الداخلي لتصبح مورّداً رئيسياً للأمن الإقليمي والدولي. فكيف استطاعت الرباط هندسة هذا التفوق الاستراتيجي؟ وما هي الفوارق الجوهرية التي جعلت العواصم الغربية تفضل الشراكة مع “النموذج المغربي”؟
المرونة المؤسساتية مقابل البيروقراطية العسكرية
الفرق الجوهري الأول بين الجهازين يكمن في الهيكلة والتبعية. في الجزائر، ترتبط الاستخبارات (سواء في عهد الـ DRS سابقاً أو الـ DSS حالياً) ارتباطاً عضوياً وعميقاً بالمؤسسة العسكرية. هذا التداخل يجعل من العمل الاستخباراتي جزءاً من التوازنات الداخلية المعقدة، مما يخلق بيروقراطية ثقيلة تحد من سرعة التفاعل مع التهديدات العابرة للحدود أو مشاركة المعلومات بمرونة مع الحلفاء.
في المقابل، أسس المغرب لنموذج استخباراتي مدني احترافي. بإنشاء “المكتب المركزي للأبحاث القضائية” (BCIJ) كذراع تنفيذي للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، أضفى المغرب طابعاً مؤسساتياً وشفافاً على عملياته، محاكياً نماذج عالمية رائدة مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI). هذه المرونة الهيكلية تمنح الرباط قدرة فائقة على اتخاذ القرار السريع، وتحليل البيانات، وتنفيذ الضربات الاستباقية لتفكيك الخلايا الإرهابية قبل انتقالها لمرحلة التنفيذ، بعيداً عن تعقيدات العمل العسكري المباشر.
عقيدة “الأمن التعاوني” في مواجهة “السيادة الانعزالية”
تعتمد الجزائر في حماية أمنها القومي على مقاربة “دفاعية صلبة”، تركز على الانتشار العسكري المكثف لتأمين حدودها الشاسعة والمشتعلة. ومع أن هذه المقاربة قد تكون مبررة تكتيكياً، إلا أن عقيدة “السيادة الانعزالية” التي تغلب على فلسفتها تجعلها مترددة بشدة في مشاركة المعلومات الاستخباراتية الحساسة، مما يبقيها معزولة نسبياً عن قواعد البيانات العالمية المشتركة للإنذار المبكر.
هنا يبرز التفوق الاستراتيجي للمغرب. أدركت المخابرات المغربية مبكراً أن الإرهاب والجريمة المنظمة لا يعترفان بالحدود، فتبنت عقيدة “الأمن التعاوني”. لم تكتفِ الرباط بحماية حوزتها الترابية، بل وسعت مظلتها الأمنية لتشمل حلفاءها بفضل شبكة استخبارات بشرية (HUMINT) بالغة التعقيد والتغلغل. المعلومات الاستخباراتية الدقيقة التي وفرها المغرب لكل من فرنسا (في تحديد موقع العقل المدبر لهجمات باريس 2015)، وبلجيكا، وإسبانيا، وألمانيا، وأخيراً الولايات المتحدة، جنبت هذه العواصم حمامات دم محققة. هذا النهج جعل المغرب الشريك المفضل الذي لا غنى عنه للأجهزة الغربية.
دبلوماسية الاستخبارات: توظيف الأمن كقوة ناعمة
بينما يُستهلك الجهد الاستخباراتي الجزائري بشكل كبير في مراقبة الداخل وتأمين الحدود من تداعيات أزمات دول الجوار، حوّل المغرب قدراته الاستخباراتية إلى أداة دبلوماسية شديدة الفعالية. تلعب المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) – جهاز المخابرات الخارجية المغربي – دوراً محورياً في رسم ملامح السياسة الخارجية للمملكة.
من خلال عمليات تحرير الرهائن الغربيين في بؤر التوتر المشتعلة (كالساحل الإفريقي) بهدوء واحترافية، وتقديم الدعم الاستخباراتي لدول إفريقية لمواجهة تمدد الجماعات المتطرفة، نجحت المخابرات المغربية في ترسيخ صورة المملكة كـ “قوة استقرار” (Stabilizing Force). هذا النفوذ الاستخباراتي يترجم مباشرة إلى مكاسب دبلوماسية وازنة تخدم القضايا الاستراتيجية للرباط.
لغة الأوسمة والاعترافات: العالم يوشّح “النموذج المغربي”
هذا التفوق العملياتي ليس مجرد تنظير أكاديمي، بل يُترجم باستمرار إلى “أدلة مادية” تتجلى في حجم الثقة المؤسسية والاعتراف الدولي. ففي حين تكتفي المخابرات الجزائرية بالعمل في الظل ضمن عقيدة ترفض الانفتاح، تحولت المخابرات المغربية إلى المؤسسة الأكثر تتويجاً في محيطها القاري:
-
شراكة أمريكية استثنائية: تتجاوز العلاقة بين واشنطن والرباط بروتوكولات التعاون التقليدي، وهو ما تعكسه الزيارات المتوالية لمديري الـ CIA والـ FBI لمقر الـ DGST بالرباط. كما تُصنف تقارير وزارة الخارجية الأمريكية السنوية المغرب كـ “شريك محوري وحاسم”، مشيدة بفاعلية استراتيجيته الاستباقية.
-
الأوسمة الأوروبية الرفيعة: في سابقة نادرة لأجهزة الاستخبارات في المنطقة، وُشح السيد عبد اللطيف حموشي (المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني) بأرفع الأوسمة الأوروبية، أبرزها “وسام الصليب الأكبر للاستحقاق” من إسبانيا، ووسام “جوقة الشرف” برتبة ضابط من فرنسا، تقديراً لجهود المغرب في حماية الأمن القومي الأوروبي.
-
اعترافات من شرق أوروبا: لم يقتصر الإشعاع على الحلفاء التقليديين؛ ففي عام 2023، منحت الرئاسة الرومانية السيد ياسين المنصوري (مدير الـ DGED) وسام “نجمة رومانيا”، وهو أرفع وسام مدني في البلاد، تتويجاً للعملية الاستخباراتية الدقيقة التي أسفرت عن تحرير رهينة روماني كان مختطفاً في بوركينا فاسو منذ 2015.
تفوق النماذج لا الأحجام
لا يُقاس التفوق في عالم الاستخبارات الحديث بحجم القوات أو الترسانة العسكرية، بل بسرعة الوصول إلى المعلومة والقدرة على توظيفها بمرونة. لقد استطاعت المخابرات المغربية أن تتفوق إقليمياً وتفرض احترامها دولياً من خلال خروجها من عباءة “الأمن الداخلي المنغلق” إلى فضاء “الشراكة الأمنية العالمية”، تاركةً نظيرتها في الجوار تتصارع مع تعقيدات بيئتها العسكرية الكلاسيكية. في عالم تحكمه التهديدات اللامركزية السريعة، أثبتت المرونة الاستباقية المغربية أنها السلاح الأكثر فاعلية.
