الياس اعراب
نظمت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ندوة صحفية تم خلالها تكريم المدرب السابق للمنتخب الوطني وليد الركراكي وتقديم المدرب الجديد محمد وهبي، بطل العالم مع منتخب الشباب في الشيلي.
حدث كان يفترض أن يكون لحظة كروية رسمية تعكس احترافية مؤسسة تسير كرة القدم المغربية، لكنه تحول في كثير من تفاصيله إلى مشهد مرتبك يوحي بأن الأمر دُبّر على عجل، وكأن الجامعة قررت فجأة جمع الناس في قاعة واحدة لإنهاء ملف مدرب وفتح ملف آخر بأسرع وقت ممكن. فلا الركراكي كُرّم كما ينبغي، ولا وهبي قُدّم كما يفترض.
منذ اللحظة الأولى كان واضحاً أن الندوة تعاني من ارتباك تنظيمي. الإعلان عن موعدها ومكانها جاء متأخراً، والتفاصيل المرتبطة بحفل التكريم والتقديم بدت أقرب إلى الارتجال منها إلى التخطيط. هو حدث مغربي بشخصيات مغربية، يتعلق بالمنتخب الأول المقبل على استحقاقات كبيرة، في مقدمتها كأس العالم المقبلة. لكن اللغة المستعملة كانت الفرنسية، وكأن الحدث يخص المنتخب الفرنسي. تحدث الركراكي بالفرنسية لتفادي سوء الفهم كما صرح في بداية كلمته، وقد نعذره، وتحدث وهبي بالفرنسية وقد نلتمس له العذر لأنه من مغاربة العالم. لكن أن تتحدث مقدمة الندوة بالفرنسية وتضيع الوقت في ترجمة أسئلة الصحفيين، فهذا ما لا يمكن أن نجد له تبريراً سوى أن الجامعة تخاطب جمهوراً وإعلاماً غير جمهورنا وإعلامنا المغربي.
من جهة أخرى، كان حضور رئيس الجامعة أكثر لفتاً للانتباه، حيث بدا وكأنه جاء ليؤدي مهمة محددة بسرعة: تقديم المدرب الجديد، توديع القديم، ثم مغادرة القاعة. نظراته المتكررة إلى ساعته لم تكن مجرد حركة عابرة، بل كانت رسالة واضحة مفادها أن البرنامج الحقيقي ربما كان في مكان آخر، وأن هذه الندوة مجرد محطة سريعة بين التزامين.
كُرّم الركراكي وقدّم له تذكار شبيه بتذكارات جمعيات الأحياء، وقُدم محمد وهبي كرباناً جديداً للمنتخب، لكن لا شيء اتضح فيما يتعلق بعقد المدرب الجديد. في الندوة لم يتضح للرأي العام شيء محدد: لا مدة العقد، ولا الأهداف المسطرة، ولا المعايير التي سيُقاس بها نجاح التجربة أو فشلها. هل المدرب سيخوض تجربة كأس العالم وعلى ضوئها سيحدد استمراره من عدمه؟ أم أن له مشروعاً وعقداً طويل الأمد؟ المدرب نفسه تحدث عن “عقد أخلاقي” يربطه بالمغرب أكثر من حديثه عن عقد مهني محدد المعالم، وكأن المنتخب الوطني انتقل فجأة من منطق العقود الاحترافية إلى منطق النوايا الحسنة. ليُضاف مصطلح “العقد الأخلاقي” لوهبي إلى “نية” الركراكي و“رضا الوالدين والتواضع” للسكيتيوي.
ومرة أخرى سقط الإعلام الرياضي المغربي في تسلل واضح. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المتابعون أن يطرح الصحفيون الأسئلة الأساسية التي تشغل الرأي العام الرياضي، ضاعت البوصلة قليلاً. لم يسأل أحد تقريباً عن تفاصيل المشروع الرياضي، ولا عن الأهداف المحددة قبل مونديال 2026، ولا عن تقييم المرحلة السابقة. بدل ذلك، تمحورت الأسئلة حول “من استُبعد ومن سيعود”، حيث انشغل بعض الصحفيين بأسماء لاعبين لم يستدعهم الركراكي سابقاً، وكأن مهمة المدرب الجديد تبدأ وتنتهي عند إعادة هذا اللاعب أو إقصاء ذاك.
هذا دون الحديث عن الأسئلة المكررة، وكأن بعض الصحفيين دخلوا القاعة بأسئلة محفوظة سلفاً لا يمكن تغييرها حتى لو طرحها زميل قبلهم بدقائق. فيتحول السؤال إلى نسخة ثانية، ويصبح المدرب مطالباً بالإجابة عن نفس الفكرة بصيغ مختلفة، بينما الأسئلة الحقيقية تبقى تنتظر دورها الذي لا يأتي.
الجميع تحدث عن “الاستمرارية”، بينما كل شيء في المشهد يوحي بالعكس. مدرب جديد، خطاب جديد، ووعود جديدة، لكن دون وثيقة واضحة تقول للمغاربة: ماذا نريد بالضبط من المرحلة القادمة؟ الوصول بعيداً في كأس إفريقيا؟ أم الذهاب بعيداً في كأس العالم؟ أم فقط الحفاظ على الاستقرار حتى إشعار آخر؟
وبعد ثلاثة أيام من الندوة، يبدو أن هالة وليد الركراكي ما زالت تطوف في أجواء المنتخب. فقد انشغل الصحفيون والصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي بالرجل: لماذا رفض أخذ صورة مع المدرب الجديد؟ ولماذا غادر الندوة قبل نهايتها؟ وأكثر من ذلك، لم يسمعوا المقدمة ولا وهبي يتحدثان بالفرنسية، لكنهم سمعوا وعاتبوا فقط الركراكي. أما بعض المحللين الذين شكل لهم الركراكي فرصة لرفع المشاهدات، فقد عادوا كثيراً إلى الوراء وتحدثوا عن خلافه مع زياش، وعن نهائي الكان في كوت ديفوار، ونسوا أن الحدث اليوم هو تقديم مدرب جديد للمنتخب ، مرحلة جديدة واهداف جديدة .
في النهاية، قد يكون محمد وهبي خياراً تقنياً ناجحاً، وقد ينجح في قيادة المنتخب إلى مرحلة جديدة. فالرجل بصم بالفعل على تجربة مميزة مع منتخب الشباب وتوج معه بلقب عالمي في الشيلي، وهو إنجاز منح اسمه زخماً كبيراً داخل المنظومة الكروية الوطنية. لكن النجاح في كرة القدم لا يُبنى فقط على الأسماء، بل أيضاً على وضوح المشروع، ودقة التنظيم، واحترام ذكاء المتابعين.
أما الندوة الصحفية التي تابعها المغاربة، فقد قدمت درساً آخر في فن الارتجال المؤسسي: تكريم سريع، تقديم أسرع، أسئلة تائهة، وعقد يبدو أنه مكتوب بالحبر السري… إلى أن يثبت العكس.
ندوة رُفعت فيها راية التسلل الواضح في كل أطوارها: تسلل ساعة رئيس الجامعة، تسلل اللغة المستعملة، تسلل الإعلام الرياضي… وغيرها من التسللات.
