رصد المغربية
في المكسيك، قُتل زعيم المخدرات المعروف باسم “إل مينتشو”، زعيم كارتل “خاليسكو الجيل الجديد”، أحد أكثر المطلوبين في المكسيك والولايات المتحدة، خلال عملية عسكرية، ما فجّر أعمال عنف وتخريب كردّ من أتباع الكارتل، حيث وقعت اشتباكات مع قوات الأمن أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 57 شخصاً في أنحاء المكسيك، من جنود وأعضاء في الكارتل، إضافة إلى قطع طرق في 20 ولاية.
وفي إسبانيا، التي تتقاسم مع المغرب حلم كأس العالم 2030، وقعت اشتباكات داخل ملعب “إل سادار” بعد مباراة أوساسونا وريال مدريد، كما أشارت بعض التقارير إلى رصد هتافات تشير إلى منظمة “إيتا”. وفي حادث آخر، تحوّل ملعب “كامب نو” الشهير إلى بركة مائية في وقت سابق، وظهرت فيه الجرذان، فيما أخذت الثعالب راحتها في مدرجات ملعب آخر.
كل هذا لم يحرك إعلاماً عربياً “ضالاً” لا يملك بوصلة المهنية، لكنه يملك حاسة شمّ انتقائية. ظهرت له فجأة “كلاب ضالة” في المغرب، تتحرك بحرية في تقارير مستعجلة وتحليلات مستنفرة، وكأن مستقبل كأس العالم 2030 سيتوقف على نباح عابر في زقاق منسي.
نفس الإعلام ابتلع لسانه، أو ربما وضعه في وضعية الطيران الصامت، وهو يتابع ما يجري في المكسيك، المقبلة على احتضان افتتاح كأس العالم 2026، دون أن يجد في مشاهد العنف ما يستحق الربط أو التهويل أو حتى السؤال. ومرّ على أحداث العنف في “الليغا” الإسبانية مرور الكرام.
فجأة اختفى حرصهم على صورة المونديال، فلم نقرأ تحليلاً عميقاً يربط بين الشغب الرياضي وملف الاستضافة، ولم نشاهد عناوين من قبيل: هل تهدد الفوضى مستقبل كأس العالم؟ فجأة صار العنف شأنا داخليا، وصار الأمن مسألة سيادية، وصار الصمت فضيلة مهنية، لكن نباح كلب في المغرب بالنسبة لهم فد يُحدث خللا في التوازن البيئي!
حين يتعلق الأمر بالمغرب، تتحول كل صورة إلى ملف، وكل مقطع إلى تحقيق عابر للحدود، وكل تفصيل إلى خطر داهم على العرس الكروي.
الكلاب الضالة تصبح تهديداً استراتيجياً، ولقطة مبتورة تتحول إلى تقرير استقصائي، وتبدأ الأسئلة القلقة حول جاهزية الدولة، صورة المنافسة وسلامة الجماهير، وكأن الفيفا تنتظر تقارير نشرات هذا الإعلام الضال لتعيد النظر في قراراتها.
الأكيد أن الأمر لا يتعلق بحب الحيوان ولا بحقوقه، ولا بسلامة المشجعين، بل بشيء آخر اسمه الاصطفاف.
هناك إعلام لا يرى إلا حيث يريد أن يرى، ويصمت حيث يُطلب منه الصمت. إعلام يتقن رفع الصوت حين يكون المغرب طرفاً، ويخفضه إلى الهمس حين تغيب الرباط عن الصورة. كأن المهنية عنده مشروطة بالجغرافيا، وكأن الموضوعية تمر عبر خريطة سياسية قبل أن تمر عبر غرفة التحرير.
هذا الإعلام نفسه، والذي تتصدره منابر الجارة الشرقية، لا يلتفت إلى كلابه الضالة التي تجوب شوارعه هو، ولا إلى أزماته البنيوية، ولا إلى اختلالاته الأمنية، لكنه يتحول إلى خبير بيطري فجأة حين يتعلق الأمر بالمغرب. يفتش في الأزقة، ويعدّ النباح، ويحلل سرعة الجري، ويتساءل متأثراً: هل يؤثر ذلك على المونديال؟
وحتى لا نُتّهم بالمبالغة، يكفي أن نلاحظ التفاوت في المعايير: حين يقع حدث في بلد آخر، يُفصل عن سياقه المونديالي ويُعالج كحالة معزولة. وحين يقع في المغرب، يُربط فوراً بصورة الدولة، وملف الاستضافة، وسمعة التنظيم، وكأن البلد مطالب بأن يكون استثناءً من قوانين الأرض، لا تحدث فيه هفوة ولا تمر فيه صورة عابرة.
فقط تخيلوا لو أن ما جرى في المكسيك حدث في المغرب، أو أن جرذانا أو ثعالب ظهرت في ملعب مغربي، أو صدرت هتافات عنصرية في مدرجاته… تخيلوا كيف سيكون التعاطي، وكيف سيحاول هذا الإعلام الضغط من أجل تجريد المغرب من استحقاقه. إنها عقدة الفاشلين الذين يرون في كل ناجح تهديداً لهم.
نحن إذن أمام ازدواجية مكشوفة، تسلل واضح في طريقة التناول، حيث تتحول العدسة إلى مرآة مقعّرة تكبّر ما يسيء للمغرب، وتصغّر ما يناقض السردية المرغوبة. إعلام لا يسأل: ماذا يحدث؟ بل يسأل: كيف يمكن أن نخدم روايتنا بما يحدث؟ وكيف يمكننا تلطيخ صورة المغرب؟
في الختام، النباح ليس دائماً صوت كلاب ضالة في الشوارع… أحياناً يكون صوت منابر تبحث عن ضجيج، ولو على حساب الحقيقة فتسقط في تسلل مهني واضح.
