الياس اعراب
عرف المغرب هذه السنة شتاءً قاسياً، حيث شهدت مناطق واسعة من البلاد تساقطات ثلجية ومطرية تسببت في فيضانات وانجرافات وانهيار منازل، خاصة في أقاليم العرائش وشفشاون والحسيمة.
هذا الإقليم الأخير يعرف تفاوتاً واضحاً بين واجهتيه البحرية والجبلية؛ ففي الوقت الذي تعرف فيه جبال صنهاجة اسراير، بدائرتي تاركيست وكتامة، تساقطات كبيرة، تسجل في جماعات أخرى أرقام ضعيفة.
في صنهاجة اسراير عاشت دواوير بأكملها عزلة قاسية: قلعة مروان، أباركاعن بتاغزوت، الخندق ببني بوشيبت، تيفزيوين، أوظي في بني احمد اموكزان، بني احمد، المخزن ، تلغونت في عبد الغاية السواحل وغيرها… انهيارات صخرية، طرقات مقطوعة، مسالك جرفتها السيول، وساكنة وجدت نفسها محاصرة بين الجبل والماء.
إلى هنا يمكن اعتبار الأمر جزءاً من قسوة الطبيعة في منطقة جبلية. لكن ما لا تتقبله ساكنة هذه المناطق هو الأرقام التي تخرج بها نشرات الأرصاد الجوية في كل مرة لتؤكد أن إقليم الحسيمة لم يعرف سوى 2 أو 3 مليمترات من الأمطار. رقم يبدو خجولاً إلى درجة السخرية، خصوصاً حين يُقارن بصور السيول والانجرافات المتداولة بين أبناء المنطقة. كيف يمكن لقطرات معدودة أن تعزل دواوير؟ كيف تتحول نفحة مطر إلى انهيارات؟ هل الجبال أصبحت هشة إلى هذا الحد، أم أن مديرية الأرصاد ما تزال عالقة في تسعينيات القرن الماضي حين كان الوصول إلى هذه المناطق أمراً صعباً؟
قد يكون جزء من الجواب تقنياً. فمعظم محطات الرصد الجوي بالإقليم، حسب المعطيات المتوفرة، تتركز في الجهة الشرقية، وهي مناطق لا تعرف نفس الكثافة المطرية التي تعرفها المرتفعات الغربية لصنهاجة اسراير.
الجبل لا يمطر بالتساوي، والتضاريس تصنع فروقات كبيرة في كميات التساقطات. حين تُقاس الأمطار بعيداً عن قمم تدغين وتيزي يفري وجبل الأرز، فمن الطبيعي أن تبدو الأرقام أقل مما تعيشه الدواوير القريبة من القمم. ومع ذلك يبقى هذا المبرر غير مقنع، بل دليلاً آخر على أن هذه المناطق توجد على هامش الهامش.
سنوات مرت، تغيرت معها ظروف الحياة وبرزت ثورة تكنولوجية كبيرة، لكن المنطقة ما تزال خارج مفكرة مديرية الأرصاد. لم يتم التفكير في إحداث محطات رصد إضافية في مناطق مثل اساكن، بني بونصار، أزيلا أو تمديت، باعتبارها من أقرب الدواوير إلى قمة تدغين، لتظل العدالة المناخية مؤجلة، فلا يُقاس المطر حيث يسقط فعلاً، بل حيث يسهل قياسه فقط.
حين يُختزل المطر في الحسيمة في 2 ملم، تُختزل معه معاناة الناس. وحين يُخفَّف حجم التساقطات على الورق وعلى شاشة التلفاز، يُخفَّف معها الإحساس بالمسؤولية. لأن الاعتراف بغزارة المطر يعني الاعتراف بهشاشة الطرق، وضعف البنيات، وغياب القناطر، وسنوات من التأجيل. أما حين يصبح المطر مجرد رقم صغير، فكل شيء يبدو “عادياً”.
للأسف، كثيرون لا يعرفون أن جبال الريف ليست أرضاً قاحلة لا تعرف سوى الرذاذ، بل منطقة اعتادت على تساقطات غزيرة وثلوج كثيفة. غير أن غيابها عن الإعلام ونشرات الأرصاد جعل صورتها باهتة، حتى صار سكان هذه المناطق يحاولون ربط التوقعات ببعضها ليصلوا إلى تقدير طقسهم المحلي، فيعتمدون أحياناً على توقعات مدينة طنجة أكثر من اعتمادهم على توقعات الحسيمة، لأنهم يدركون أن ما يُصرَّح به رسمياً لا يعكس واقعهم.
التهميش في مناطق صنهاجة اسراير أخذ كل الأوجه الممكنة، فتجاوز تعبيد طريق أو بناء قنطرة، إلى الطريقة التي تُروى بها حكاية المنطقة التي تم سجنها في موضوع الكيف. حين تُقاس العاصفة بمليمترين تصبح الكارثة مبالغة، وحين يُشكك في حجم المطر يُشكك ضمناً في صرخة الساكنة التي بحت لعقود من الزمن.
فهل يا ترى سقطت جبال تغزوت وبني أحمد اموكزان وكتامة، وفاض واد ورغة بسبب 2 ملم فقط؟ أم أن سنوات من اللامبالاة المتراكمة بصمت كانت السبب، فجاءت السيول والانجرافات لتكشف ما كان مخفياً؟ فما بين الواقع والنشرة هوة عميقة تبقي منطقة صنهاجة في تسلل واضح في سباق التنمية.
وفي الأخير أهمس في أذن إخوتي المغاربة وأقول: الثلج لا يوجد فقط في ميشليفن وأوكيمدن، بل يسقط أيضاً في تيزي يفري وجبل تدغين، وفي كثير من جبال الريف المنسية. فزرونا يوماً في السنة، حيث لا يتجاوز المقياس 2 ملم، لتكتشفوا أن الحقيقة أكبر من رقم صغير في نشرة جوية.
وختاما نرفع راية التسلل في وجه مديرية الارصاد الجوية لنعلن عن سقوطها في تسلل واضح …
