شريط الاخبار

التحوّل الأشد قسوة… أمريكا تدفع أوكرانيا نحو “اتفاق استسلام مُرّ” مع موسكو

في تطوّر يصفه مراقبون في واشنطن ولندن بأنه “التحوّل الأشد قسوة” منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تتقاطع التقارير الدبلوماسية الغربية حول ضغوط أمريكية متزايدة على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي للقبول بمسودة اتفاق سلام جديدة مع موسكو، تُعيد رسم ميزان القوى في القارة الأوروبية على نحو غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة.

المصادر نفسها تتحدث عن وثيقة من 28 بنداً، وصفتها بعض الصحف الأوروبية بأنها “ورقة استسلام مفروض”، تتضمن اعترافاً أوكرانياً بخسائر ميدانية واسعة، وتراجعاً عن تعهّدات كانت كييف ترى فيها صلب مشروعها الغربي منذ سنوات.

تنازلات قاسية… وأفق ضبابي

وفق ما جرى تسريبه، تضع المسودة الأقاليم التي ضمّتها موسكو—دونباس والقرم—تحت السيادة الروسية دون مواربة، مع ترتيبات أوسع تشمل مناطق خيرسون وزابوروجيا وتوزيعاً للطاقة المنتجة من محطة زابوروجيا النووية بالتساوي بين روسيا وأوكرانيا. ويتجاوز الاتفاق الجانب الترابي إلى مسّ البنية السيادية للدولة، عبر اشتراط تعديل الدستور لمنع الانضمام إلى حلف الناتو، وتقليص القدرات العسكرية إلى حدٍّ يراه مراقبون “أدنى من متطلبات الدفاع الذاتي”.

في المقابل، تتيح المسودة لروسيا عودة تدريجية إلى المنظومة الاقتصادية العالمية، بما في ذلك مقعدها السابق في مجموعة الثمانية، وفتح الباب أمام مشاريع استثمارية مشتركة تُموَّل جزئياً من الأصول الروسية المجمّدة في الغرب، وهو ما أثار جدلاً واسعاً داخل العواصم الأوروبية التي كانت تنظر إلى تلك الأصول باعتبارها ورقة ضغط استراتيجية.

انهيار الجبهة الأوكرانية… وقلق أوروبي متصاعد

داخل أوكرانيا، تبدو المؤشرات الميدانية أكثر قتامة مما تعلنه البيانات الرسمية. فالهجوم المضاد الذي راهنت عليه كييف في العام الماضي انتهى إلى إخفاق ثقيل الكلفة، تبعته موجة استنزاف طالت الذخيرة والعتاد والقوى البشرية مع توالي الاختراقات الروسية على أكثر من محور.

وتزامن ذلك مع تصعيد روسي في العمق الأوكراني ضرب البنية الطاقية وأدى إلى انقطاعات كهربائية مطوّلة في مدن عدّة، بينما يقترب الشتاء وتزداد مخاوف السكان من تدهور ظروف العيش.

وعلى الضفة الأوروبية، تتكاثر الإشارات إلى أزمة استراتيجية عميقة؛ أسعار الطاقة المرتفعة، وتراجع القدرة الصناعية، وصعود التيارات اليمينية، وجيوش لا تبدو جاهزة لخوض حرب تعتمد الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة على النحو الذي باتت تمارسه موسكو. حتى داخل مؤسسات الناتو، أخذت ترتفع تحذيرات غير مسبوقة، بعضها يذهب حدّ مطالبة المواطنين بالاستعداد لـ“تضحيات بشرية” إذا اتسعت رقعة الصراع.

أمريكا تغيّر الحسابات… والشرق الآسيوي يترقب

خلف هذه التحولات تقف، وفق تقديرات عدة، قراءة أمريكية جديدة لمعادلة القوة في أوروبا. فاستمرار الحرب يرهق واشنطن اقتصاديًا، فيما لا تملك دول الاتحاد الأوروبي القدرة على تحمل أكلافه لسنوات إضافية. ومع تقدّم موسكو على الأرض وتراجع قدرة كييف على الصمود، باتت الإدارة الأمريكية أمام خيارين: إطالة حرب خاسرة، أو تثبيت خطوط تماس جديدة ولو اقتضى الأمر دفع أوكرانيا إلى تسوية موجعة.

غير أن صدى هذا التحوّل يتجاوز القارة الأوروبية. فالصين، التي تراقب المشهد عن كثب، تقرأ في الضغوط على كييف مؤشراً على حدود التدخل الغربي الفعلي عند اشتداد الأزمات. ويأتي ذلك في لحظة يشهد فيها بحر الصين الجنوبي توتراً متصاعداً، بينما تستعد تايوان واليابان لإعادة بناء قدراتهما العسكرية على نحو غير مسبوق منذ عقود.

مرحلة عالمية على مفترق

تدفع الوقائع المتسارعة نحو سؤال أكبر: هل يمثّل الاتفاق المطروح، إذا ما تم توقيعه، إعلان نهاية مرحلة “الردع الغربي” التقليدي؟ أم أنه محطة مؤقتة ضمن إعادة تشكيل التوازنات الكبرى؟

ما يبدو مؤكداً هو أن الحرب التي بدأت كصراع حدودي في فبراير 2022، انتهت إلى اهتزازات عميقة في الأمن الأوروبي، ودفعت النظام الدولي إلى عتبة جديدة، تتغير فيها قواعد اللعبة كما تتغير خريطة النفوذ.

<script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-2607802051938615" crossorigin="anonymous"></script>
شارك المقال شارك غرد إرسال