أمغار الأندلسي _ رصد المغربية
تصل بنا مذكرات الملازم الجزائري المنشق حبيب سويدية، “الحرب القذرة”، إلى فصولها الأكثر دموية ورعباً، حيث تُسقط الشهادات الحية القناع عن الوجه الحقيقي للمؤسسة العسكرية الجزائرية خلال عام 1994.
في تلك المرحلة، لم تعد الحرب مقتصرة على اشتباكات في الجبال، بل تحولت إلى إبادة جماعية تديرها فرق موت متخصصة، أبرزها “الفوج 12 لمظليي الصاعقة”، الذي يصفه سويدية بمرارة بأنه “فوج القتلة” والسرية المخصصة للأعمال القذرة.
ينقلنا الكاتب إلى تفاصيل تقشعر لها الأبدان عن هذا الفوج المرعب، حيث قام رجاله بالتنكر في ملابس “إسلاميين أفغان” وطرقوا أبواب عائلات آمنة في منطقة قريبة من مدينة تينيس، ليقوموا بذبح أكثر من مائة وثمانية عشر شخصاً من رجال ونساء وأطفال، انتقاماً لمقتل ضابطين في كمين سابق، في مجزرة بشعة نُفذت في جنح الظلام ولم تتطرق لها وسائل الإعلام قط.
ولم تقف دموية هذا الفوج عند هذا الحد، بل استخدمت القيادة مروحيات عسكرية لإنزال قوات كوماندوس قامت بذبح سكان قريتين صغيرتين بالكامل قرب منطقة شرشال، بهدف تصفية سكان البيوت المعزولة دون ترك أي شهود يروون ما حدث، ليُنسب الجرم لاحقاً كالعادة للجماعات المسلحة. وقد تفشت في هذا الفوج كل أشكال الانحطاط وانعدام الانضباط، وبرزت فيه شخصيات سادية تجسد الانحراف المطلق للعقيدة العسكرية، مثل الرقيب الأول الملقب بـ “النمس”، الذي كان يستمتع بالتعذيب وذبح الأبرياء كحيوان متوحش يتلذذ برائحة الدم.
وتصل المأساة ذروتها في شهادات سويدية عن مجازر شهري مايو ويونيو 1994 في منطقة الأخضرية، حيث قاد ضباط استخبارات بلباس مدني حملات اعتقال واسعة استهدفت أبرياء، من بينهم فنان تشكيلي وعمال بسطاء، بناءً على قوائم موت معدة سلفاً، ليتم اقتيادهم مقيدي الأيدي ومعصوبي الأعين إلى مصيرهم المحتوم.
ومن أشد المشاهد قسوة التي ستبقى وصمة عار أبدية في تاريخ هذا الجيش، إعدام رجل ستيني يُدعى محمد متاجر برصاص النقيب “أحمد” في الباحة أمام مرأى الجميع، حيث برر الضابط جريمته بعبارة همجية قائلاً للضحية وهو يلفظ أنفاسه: “ليأتِ ولداك الكلبان لإنقاذك الآن!”، لمجرد أن ابنيه التحقا بالجماعات المسلحة في الجبال. لكن الجريمة التي تفوق كل تصور بشري، والتي تقف شاهداً على تجرد هؤلاء الضباط من إنسانيتهم، هي قيام الملازم “شمس الدين” بإركاع طفل في الخامسة عشرة من عمره ورجل آخر يناهز الخامسة والثلاثين، ورشهما بسائل “A 72” شديد الاشتعال، قبل أن يرمي قطعة بلاستيك مشتعلة على ثياب الطفل ليحوله في ثوانٍ معدودة إلى “مصباح بشري حقيقي” يصرخ من شدة الألم والنار تلتهم لحمه، بينما الموت يخطفه أمام أنظار العسكريين الذين تسمروا في أماكنهم من هول الرعب.
هذه الوحشية الممنهجة ضد الأطفال والمدنيين لم تكن مجرد حوادث عرضية أو تصرفات معزولة، بل عقيدة راسخة؛ حيث يوثق الكتاب مقتل مراهق آخر في الخامسة عشرة خنقاً حتى الموت على يد الملازم “عبد الحق”، لمجرد أنه كان يبيع السجائر واشتبه الضابط في تقديمه معلومات للإرهابيين.
وفي تواطؤ مفضوح يثبت أن هذه الجرائم كانت سياسة ممنهجة تحظى بالغطاء والدعم، قامت القيادة العسكرية بمكافأة هؤلاء الضباط القتلة بدلاً من محاكمتهم، حيث تمت ترقية كل من الملازم عبد الحق، والملازم بوزيان، والملازم شمس الدين (مُحرق الطفل) إلى رتبة “نقباء” كاعتراف بـ”جهودهم” في تصفية الجزائريين.
أما الضحايا الأبرياء الذين حولهم الجيش إلى جثث مشوهة ورماد، فكان المواطنون يكتشفون بقاياهم المتناثرة وحولها آثار إطارات السيارات العسكرية وسيارات الإسعاف، لتقوم السلطات بجمعهم ودفنهم في فناء مستشفى الأخضرية كجثث مجهولة الهوية تحت مسمى “إكس جزائري” (X Algérien)، في محاولة يائسة وبائسة لطمس معالم إبادة جماعية ستبقى محفورة في ذاكرة التاريخ.
