شريط الاخبار

أبناء جيراندو.. حين تتحول البيادق إلى أداة تخريب

خلف شاشات الهواتف، يتشكل جيش من البيادق التي تعيد تدوير الأكاذيب وتضخم الشائعات. إنهم يعتقدون واهمين أنهم يمارسون حرية التعبير، بينما هم في الواقع يقدمون خدمة مجانية لتهشيم ثقة المغاربة بمؤسساتهم….

​بقلم: أمغار الأندلسي

في عالم تتحرك فيه المعلومات بسرعة الضوء، وتصبح الشاشة أقوى من أي سلطة، صار من الممكن لأي شخص أن ينصب نفسه حكماً على الحقائق، وأن يتحول من متابع عادي إلى صانع للرأي العام؛ بلا معرفة، بلا تحقق، وبلا مسؤولية. المدعو هشام جيراندو، الشخصية التي شغلت المنصات الرقمية في الفترة الأخيرة، لا يمثل سوى رأس هذه الظاهرة؛ رأس يبث الأكاذيب ويصنع الضجيج، لكنه لا يمكن أن ينجح إلا بوجود شبكة داخلية تعيد إنتاج ضجيجه داخل المغرب. هؤلاء هم “أبناء جيراندو”: من يعيدون نشر الفيديوهات، يضيفون التعليقات، ويحولون كل شائعة إلى مادة للاستهلاك المحلي، غير مدركين -أو متجاهلين- أنهم بذلك يقدمون خدمة مجانية لأعداء الوطن.
الأمر ليس مجرد أخطاء عابرة أو سوء تقدير. إن كل إعادة نشر لمعلومة كاذبة، وكل تبني لرواية ملفقة، يتحول إلى مسؤولية أخلاقية وقانونية صريحة. فالقانون الجنائي المغربي واضح في هذا الشأن: نشر أو إعادة نشر ادعاءات كاذبة من شأنها المساس بالأمن العام، أو تهديد الاستقرار، أو تضليل الرأي العام، يُعد جنحة يعاقب عليها القانون. وكل “ابن رقمي” يشارك في هذه الشبكة، يصبح، بهذا المعنى، شريكاً غير مباشر في لعبة ابتزازية تخدم أجندات خارجية، بغض النظر عن حسن نواياه الشخصية.
لكن الخطر لا يتوقف عند البعد القانوني فحسب، بل يمتد إلى بعد اجتماعي وأخلاقي أعمق. يساهم هؤلاء “الأبناء الرقميون” في تهشيم الثقة العامة، ويزرعون الشكوك في عقول المواطنين تجاه الدولة، وكل مؤسسة، وهيئة، ورمز وطني. إنهم لا يدركون أن كل مشاركة أو تعليق لا تنقل مجرد معلومة، بل تساهم في صناعة واقع رقمي زائف، يربك وعي الجمهور ويضعف قدرته على التمييز بين الحقيقة والخيال.
إن جيراندو مجرد واجهة تبث المغالطات، لكن نجاحه مرهون بـ”أبنائه” الذين ينفخون في رماد الفتنة، ويضخمون الضجيج، ويحوّلون كل فيديو ملفّق إلى مادة مستهلكة في الداخل. وبذلك، يتحولون من مجرد متابعين إلى أدوات طيعة لضرب الثقة الوطنية؛ فكل إعادة نشر تضاعف من قوة الكذبة وتمنحها وهماً بالواقعية.
ولا يقل الجانب الرقمي من الظاهرة خطورة عن بعدها الاجتماعي؛ فقد أصبحت المنصات بيئة خصبة لتسويق الإثارة على حساب الحقيقة. وكل من ينخرط في هذا المستنقع يضع نفسه في دائرة تواطؤ متبادل مع “الرأس الرقمي”. هي إذن لعبة تزييف متكاملة، تتحول فيها الشاشة من وسيلة إعلامية إلى أداة تخدم أجندات معادية، بينما يعتقد البعض واهماً أنه يمارس “حرية التعبير”. لكن الحقيقة الصادمة هي أن الحرية هنا ليست مطلقة، والشاشة لا تُعفي أحداً من المسؤولية.
يتصل الأخطر في هذا المشهد بالوعي الجماعي. فكل مشاركة لخبر غير موثق تساهم في تشكيل رأي عام مبني على الوهم، وتخلق مناخاً يسهل فيه استهداف المؤسسات والشخصيات العامة. إنه استغلال بشع للثقافة الرقمية للشباب، الذين يستهلكون المحتوى ويعيدون نشره دون إدراك أنهم يكرسون سلطة الأكاذيب ويقوون شوكة من يستهدف استقرار بلدهم.
في النهاية، “أبناء جيراندو” ليسوا مجرد متابعين عاديين، بل شركاء في جريمة مكتملة الأركان ضد الوطن، يتحملون وزر كل سم يُدس عبر الشاشة في وعي المواطن. إن حرية التعبير لا تعني أبداً أن تتحول إلى أداة لضرب استقرار بلدك وتضليل أبنائه.
هي رسالة إذن لكل من يعتقد أن الشاشة تمنحه حصانة: لا حصانة للغباء الرقمي، ولا حماية لمن يختار أن يكون ترساً في آلة تضليل ممنهجة. الحرية والمسؤولية تسيران معاً، ومن ينسى ذلك يصبح، بوعي أو بدونه، معول هدم يعمل لصالح غيره، بعيداً عن الحقيقة، ومجرداً من ضمير المواطنة.

شارك المقال شارك غرد إرسال